
اعتدنا في الأجيال السابقة أن تنخفض أسعار أجهزة الألعاب مع مرور السنوات. تتحسن خطوط الإنتاج، وتتراجع تكلفة المكونات، ثم تظهر نسخ أصغر وأخف وأرخص تجذب شريحة جديدة من اللاعبين. لكن الجيل الحالي يسير في اتجاه مختلف تمامًا؛ فبدل انتظار التخفيضات المعتادة، أصبح اللاعب يتساءل إن كان سعر الجهاز سيرتفع مرة أخرى، أو إن كانت النسخة الجديدة ستصل بسعر أعلى من المتوقع.
المشكلة هذه المرة لا ترتبط بالتضخم أو الرسوم الجمركية وحدها، بل بمكونين أساسيين داخل أي جهاز حديث: ذاكرة DRAM المستخدمة لتشغيل الألعاب ومعالجة البيانات بسرعة، وذاكرة NAND التي تعتمد عليها وحدات التخزين السريعة من نوع SSD. ومع تطور الألعاب وارتفاع دقة الرسومات وزيادة أحجام الملفات، أصبحت هذه المكونات أكثر أهمية من أي وقت مضى، وأي ارتفاع في أسعارها ينعكس مباشرة على تكلفة تصنيع الأجهزة.
الذكاء الاصطناعي يغيّر أولويات المصانع
الطلب الهائل من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي دفع شركات الذاكرة إلى توجيه جزء أكبر من إنتاجها نحو منتجات مرتفعة الربحية، خصوصًا ذاكرة HBM المستخدمة مع مسرعات الذكاء الاصطناعي. ورغم اختلافها عن الذاكرة الموجودة داخل أجهزة PlayStation و Xbox و Nintendo، فإنها تعتمد على موارد وخطوط إنتاج متقاربة بدرجات متفاوتة، ما يضيّق المساحة المتاحة للمنتجات التقليدية.
بالنسبة للشركات المصنعة، بيع الذاكرة لمراكز البيانات أصبح أكثر ربحية من توريدها بكميات ضخمة لأجهزة الألعاب. لذلك من الطبيعي أن تمنح الأولوية للمنتجات التي تحقق هامش ربح أعلى، خصوصًا مع استعداد شركات التقنية لإنفاق مليارات الدولارات على البنية التحتية للذذاكرةكاء الاصطناعي.
شركة Micron تتوقع بقاء سوقي DRAM و NAND في وضع ضيق حتى ما بعد نهاية 2027، بينما حذّر الرئيس التنفيذي لشركة SK Hynix من أن عام 2027 قد يشهد أسوأ مراحل النقص، مع احتمال استمرار تفوق الطلب على المعروض لفترة أطول. لذلك فإن الاعتقاد بأن الأزمة ستنتهي سريعًا مع بداية 2027 يبدو متفائلًا أكثر من اللازم.
التأثير وصل بالفعل إلى شركات الألعاب
لم تعد المسألة مجرد توقعات محللين. نينتندو أدرجت نحو 100 مليار ين من التكاليف الإضافية ضمن توقعاتها للسنة المالية المنتهية في مارس 2027، نتيجة ارتفاع أسعار المكونات، وعلى رأسها الذاكرة، إلى جانب الرسوم الجمركية. كما أعلنت مراجعة أسعار Nintendo Switch 2 في عدة أسواق، ليرتفع السعر الأمريكي المعلن من 449.99 إلى 499.99 دولار.
سوني بدورها تتوقع أن يصل تأثير ارتفاع أسعار الذاكرة على أعمالها خلال السنة المالية الحالية إلى قرابة 30 مليار ين، رغم محاولاتها الحد من الضرر عبر التفاوض مع الموردين، وتعديل التصاميم، واتخاذ إجراءات مختلفة تتعلق بالمبيعات والأسواق. كما أوضحت الشركة أنها ستربط حجم شحنات PS5 بالكميات التي تستطيع الحصول عليها بأسعار معقولة.
هذه الإشارات تكشف أن الشركات لم تعد تتعامل مع الذاكرة كمكون رخيص ومتوفر دائمًا، بل أصبحت تؤمّن احتياجاتها بحذر، وتحدد خطط الإنتاج والبيع بناءً على الكمية والسعر. وهذا يفسر لماذا قد تفضّل بعض الشركات تقليل المخزون، أو تأجيل إنتاج نماذج معينة، بدل بيع الجهاز بهامش ربح ضعيف.
هل سنرى زيادات مستمرة حتى 2028؟
الاحتمال قائم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة زيادة سنوية مباشرة على كل جهاز. بعض الشركات قد تمتص جزءًا من التكلفة مؤقتًا، أو تقلل العروض والتخفيضات، أو تطرح إصدارات بسعات تخزين أقل، أو ترفع أسعار الملحقات والنسخ ذات السعة الكبيرة بدل تعديل السعر الأساسي.
وقد يكون الأثر الأكثر وضوحًا هو اختفاء التخفيضات التي كان يفترض أن تحصل عليها الأجهزة القديمة. فبدل أن يصبح PS5 أو Xbox Series أرخص قرب نهاية الجيل، قد تحافظ الشركات على السعر الحالي باعتباره أفضل حل ممكن، بينما تبدأ أجهزة الجيل المقبل من نقطة أعلى مما اعتاده اللاعبون.
الأمر قد ينعكس أيضًا على تصميم الأجهزة نفسها. قد تعتمد الشركات على حلول أكثر اقتصادية، أو تقلل السعة التخزينية الأساسية، أو تفصل بعض الملحقات عن الجهاز لخفض السعر المعلن. وفي المقابل، قد تصبح النسخ الرقمية أو الإصدارات الأقل تكلفة هي الخيار الأساسي، بينما تتحول النسخ الأعلى إلى منتجات موجهة لمن يستطيع دفع المزيد.
أما عام 2028، فهو ليس موعدًا مضمونًا لانتهاء الأزمة. دخول مصانع وخطوط إنتاج جديدة قد يخفف الضغط تدريجيًا، لكن بناء القدرات التصنيعية يحتاج سنوات، وفي الوقت نفسه يستمر طلب الذكاء الاصطناعي والسيارات والأجهزة الذكية في النمو. بعض منشآت Micron الجديدة لن تبدأ إنتاجها إلا خلال 2027، بينما يُنتظر تشغيل قدرات إضافية أخرى في أواخر 2028.
في النهاية … الإجابة الأقرب هي: نعم، نقص الذاكرة قد يبقي أجهزة الألعاب مرتفعة السعر حتى 2028، وربما بعدها. لكن اللاعب قد لا يلاحظ ذلك دائمًا من خلال زيادة رسمية ومباشرة؛ أحيانًا سيكون الغلاء في غياب التخفيضات، وارتفاع سعر السعات الأكبر، وتقليل العروض، وتحول السعر الذي كان يُعد استثنائيًا إلى الوضع الطبيعي الجديد، وهو تحول لم نعتده في السابق.










